محمد بن جرير الطبري

227

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

إذْ كانت تلك السُّور التي نزلت قبل سورة البقرة ، من جملة جميع كتابنا هذا ، الذي أنزله الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . وكان التأويل الأول أولى بما قاله المفسرون ، لأنّ ذلك أظهرُ معاني قولهم الذي قالوه في " ذلك " . وقد وَجَّه معنى " ذلك " بعضُهم ، إلى نظير معنى بيت خُفاف بن نُدبة السُّلميّ : فَإن تَكُ خَيْلي قد أُصِيبَ صَمِيمُها . . . فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا ( 1 ) أقولُ له ، والرُّمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ : . . . تأمَّل خُفاَفًا ، إنني أنا ذلِكَا ( 2 ) كأنه أراد : تأملني أنا ذلك . فزعم أنّ " ذلك الكتاب " بمعنى " هذا " ، نظيرُه ( 3 ) . أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب ، وهو مخبر عن نفسه . فكذلك أظهر " ذلك " بمعنى الخبر عن الغائب ( 4 ) ، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهَد . والقول الأول أولى بتأويل الكتاب ، لما ذكرنا من العلل . وقد قال بعضهم : ( ذلك الكتاب ) ، يعني به التوراة والإنجيل ، وإذا وُجّه

--> ( 1 ) الأغاني 2 : 329 / 13 : 134 ، 135 / 16 : 134 ، والخزانة 2 : 470 ، وغيرهما ، ويأتي في الطبري 1 : 314 ، 437 . يقول الشعر في مقتل ابن عمه معاوية بن عمرو أخي الخنساء . ومالك ، هو مالك بن حِمَار الشمخي الفزاري . والخيل هنا : هم فرسان الغارة ، وكان معاوية وخفاف غزوَا بني مرة وفزارة . والصميم : الخالص المحض من كل شيء . وأراد معاوية ومقتله يومئذ . ويقال : " فعلت هذا الأمر عمد عين ، وعمدًا على عين " ، إذا تعمدته مواجهة بجد ويقين . وتيمم : قصد وأمَّ . ( 2 ) " أقول له " ، يعني لمالك بن حِمَار . وأطر الشيء يأطره أطرًا : هو أن تقبض على أحد طرفي الشيء ثم تعوجه وتعطفه وتثنيه . وأراد أن حر الطعنة جعله يتثنى من ألمها ، ثم ينحني ليهوى صريعًا إذ أصاب الرمح مقتله . وأرى أن الإشارة في هذا البيت إلى معنى غائب ، كأنه قال : " أنا ذلك الذي سمعت به وببأسه " . وهذا المعنى يخرج البيت عن أن يكون شاهدًا على ما أراد الطبري . ( 3 ) في المطبوعة : " كأنه أراد : تأملني أنا ذلك ، فرأى أن " ذلك الكتاب " بمعنى " هذا " نظير ما أظهر خفاف من اسمه . . . " ، وهو تغيير لا خبر فيه . ( 4 ) في المطبوعة : " فلذلك أظهر ذلك . . " .